الحرير/
بقلم : د. كمال فتاح حيدر
لكل مهنة آدابها وقواعدها الأخلاقية، التي نطلق عليها: آداب المهنة (Professional Ethics). .
أنا شخصيا لم اكن أعرف بأدبيات البث التلفزيوني في المآسي والكوارث، لكنني لاحظت ان بعض القنوات العربية والأجنبية المشهورة اختارت الظهور بملامح موحدة لتغطية أخبار الكارثة الزلزالية، التي عصفت بسوريا وتركيا، وتركت آلاف الضحايا والجرحى والمفقودين، لاحظت ان خلفية شاشاتها اصطبغت باللون الاحمر، وان الصورة الإطارية المأخوذة من مسرح الكارثة، والواقعة خلف المذيع تلونت هي الأخرى باللونين الأسود والأحمر. وظهرت كلمة (عاجل) في شريط الاخبار مؤطرة بمربع أحمر يعلوه مربع صغير باللون الأصفر في الزاوية العلوية اليمنى. واللون الأصفر كما هو معلوم يشير إلى درجة الإنذار القصوى. ويرمز أيضاً للظروف الإنسانية الطارئة. بينما ظهرت بعض الفضائيات المحلية في سوريا وتركيا (بعضها وليس كلها) بشريط أسود في احد الأركان العلوية للشاشة، وذلك التزاماً بإعلان الحداد الوطني، في حين ظهرت لوحة الاخبار العاجلة بخلفية سوداء وليست حمراء. واختارت بعض الفضائيات المحلية في سوريا وتركيا إطاراً أسوداً للشاشة بكاملها. .
وبالتالي نجد انفسنا أمام قواعد إعلامية جديدة تتضامن مع الشعوب المنكوبة، وتحترم المشاعر الإنسانية ، وتراعي الذوق العام، في صورة معبرة عن الحزن والتضامن والمواساة. .
وعلى السياق نفسه، نستذكر كتاب: أدبيات الإعلام (Media literature) للكاتب الفرنسي جان كلود بيرتراند، وهو مترجم إلى اللغة العربية (ترجمة رباب العابد)، وكم تمنيت ان يكون هذا الكتاب في متناول الفضائيات العربية، التي لم تلتزم حتى الآن بالحد الادنى من تلك القواعد والأدبيات. وينقصها الاحساس بآلام الناس ومآسيهم. .
فبعض الفضائيات العربية اختارت الوقوف موقف المتفرج بسبب خلافاتها مع النظام السوري، وبسبب علاقاتها المتشنجة مع أنقرة، وكأنهم أخذوا الشعوب المنكوبة بجريرة الزعماء، حيث لا يمكن التخلي عن نجدة المتضررين بسبب العلاقات السيئة مع الأنظمة الحاكمة. والأغرب من ذلك ان فضائياتهم نقلت خبر الفاجعة مرة واحدة ثم انصرفت لعرض برامج الفكاهة والطبخ والازياء، واشاحت بوجهها عن آلاف الضحايا والمنكوبين. وهؤلاء لا يعلمون ان مفاهيم الأدب تعني في جوهرها سماحة النفس ومكارم الأخلاق في التفاعل مع الكوارث مع إنعكاس ذلك في السلوك فعلاً وعملاً. تقابلها الفظاظة في الخلق والإختلال في السلوك الإعلامي. . .